السيد محمد تقي المدرسي

439

من هدى القرآن

بوعد الله الواقع بالموت ذلك الحق ، والدليل واضح في مسيرة البشرية حيث أهلك الله الأولين وأتبعهم بالآخرين والحبل على الجرار حتى لا يبقى أحد إلا وجهه عز وجل . الثاني : الهلاك بالآخذ والعذاب المتأسس على سنة الجزاء الإلهي في الحياة ، وهذا أقرب إلى السياق الذي يتوعد المكذبين ولا يزال بالويل ويؤكد على الجزاء ، كما تؤيده الآية التالية : « كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ » فهي إذن سنة جارية في الحياة لا تتغير مع الزمن ، وهكذا تضع الآية الإنسان في كل عصر ومكان أمام تلك السنة لكيلا يتصور أنها محدودة في المجرمين التاريخيين وحدهم . ويعود السياق يصل حقائق الماضي بالمستقبل من خلال سنة الجزاء في الآخرة ، إذ إنها أشد وقعا على المجرمين من أخذهم في الدنيا . « وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ » وكفى بإهلاك المجرمين في الدنيا دليلا على عذابهم في الآخرة . وإنما يصيرون إلى الويل نتيجةً طبيعيةً لتكذيبهم بقيادة الحق ونهجه في الحياة ، وانصرافهم عنهما إلى قيادة ضالة ومنهج خاطئ يقودان الإنسان إلى الويل بعد الويل . [ 24 - 20 ] ولماذا يكذب الإنسان بآيات ربه وبالذات حقيقة الآخرة ؟ لماذا يكذب بالبعث والنشور بعد الموت ؟ هل لأن الآيات الهادية إلى ذلك غير قائمة ، أو لأن معرفته بربه وبقدرته الواسعة التي لا تحد ناقصة ؟ كلا . . فلنتفكر في أصل خلقتنا ، وكيف أنها آية بينة تهدي إلى الإيمان بقدرته تعالى على كل شيء ، فلقد انطلقنا في الحياة الدنيا من حويمن صغير وحقير ومستقذر لا يرى إلا بالمجاهر المكبرة ، استقر ليس بإرادتنا بل بمشيئة الله في رحم أمهاتنا ، ثم نماه الله ضمن ملايين القوانين والسنن التي نجهل أكثرها فضلا عن ادِّعاء التحكم فيها ، حتى خلقنا بشرًا سويًّا ذكرًا أو أنثى . وربنا يضعنا أمام هذه الحقائق الفطرية التي لا سبيل لأحد إلى إنكارها . « أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ » قال القمي : منتن ] « 1 » ، وقيل : حقير ، وعليه أكثر المفسرين ، وإن المتأمل ليرى كل أسباب الهوان في ذلك الماء ، فحجمه صغير ، ورائحته منتنة ، وهو مستقذر عند الإنسان نفسه فلا يقيم له وزنا ، ولك أن تعجب إذا عجبت من البشر حينما يتكبر ويركب مطية الغرور ، ليس في مقابل بني جنسه وحسب ، بل في مقابل ربه العظيم أيضا ! ! وحقَّ لأمير المؤمنين علي عليه السلام أن يعجب فيقول : وعَجِبْتُ لِلْمُتَكَبِّرِ الَّذِي كَانَ بِالْأَمْسِ نُطْفَةً ويَكُونُ غَداً جِيفَةً ، وعَجِبْتُ لِمَنْ شَكَّ فِي اللهِ وهُوَ يَرَى خَلْقَ الله ، وعَجِبْتُ لِمَنْ نَسِيَ الْمَوْتَ وهُوَ يَرَى الْمَوْتَى ، وعَجِبْتُ لِمَنْ أَنْكَرَ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى وهُوَ يَرَى النَّشْأَةَ الْأُولَى ] « 2 » ، وإنه لعجب حقًّا أن ينسى

--> ( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 400 . ( 2 ) نهج البلاغة : حكمة : 126 .